عبد الوهاب الشعراني

460

اليواقيت والجواهر في بيان عقائد الأكابر ( وفي الحاشية الكبريت الأحمر )

( فإن قلت ) : فإذن وحي البشائر هو الأعم الأغلب ؟ ( فالجواب ) : نعم إذ هو الوحي الخاص الذي بين كل إنسان وبين ربه عزّ وجلّ فيناجيه منه في سره حال سجوده وغيره ، فلا يجد أحدا أقرب إليه من اللّه تعالى . وذلك تأييد من اللّه تعالى لبعض الصادقين وقد يكون وحي البشائر أيضا بواسطة ملك ولكن النبوة من شأنها الواسطة فلا بد من الملك فيها والمبشرات ليست كذلك فالعارف لا يبالي بما فاته من الأمر مع بقاء المبشرات عليه وأطال الشيخ في ذلك في الباب الثالث والعشرين وثلاثمائة . وقال في الباب الثامن والستين ومائتين : اعلم أن الفرق بين وحي الأولياء ووحي الأنبياء عليهم الصلاة والسلام أن الأولياء يشاهدون تنزل الأرواح على قلوبهم لكن لا يرون الملك النازل بخلاف النبي والرسول ، فإن شهد الولي الملك لا يشهد إلقاءه عليه حال شهوده وإن شهد الإلقاء لا يشهد الملك فيعلم أنه من الملك من غير شهود له فلا يجمع بين رؤية الملك والإلقاء منه إليه إلا نبي أو رسول وبهذا يفرق بين الرسول والولي وقد أغلق اللّه تعالى باب التنزل بالأحكام الشرعية وما أغلق باب التنزل به بالعلم بها على قلوب أوليائه الذي هو التنزل الروحاني بالعلم وذلك ليكون الأولياء على بصيرة في دعائهم إلى اللّه بها كما كان مورثهم صلى اللّه عليه وسلم ، ولذلك قال تعالى : قُلْ هذِهِ سَبِيلِي أَدْعُوا إِلَى اللَّهِ عَلى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي [ يوسف : 108 ] . فهو آخذ لا يتطرق إليه تهمة . قال الجنيد في معرض الثناء على علم أهل اللّه تعالى فما ظنك ، بعلم علم الناس فيه تهمة فإن علم غيرهم لا يكون صاحبه على بصيرة لا في الفروع ولا في الأصول أما في الفروع فللاحتمال في التأويل وأما في الأصول فلما يتطرق إلى الناظر في الدليل من الدخل عليه فيه من نفسه وغيره فهو يتهم دليله لهذا الخلل وقد كان يقطع به قبل ذلك وأهل اللّه تعالى كلهم أهل بصائر وعلمهم كله من حق اليقين أي : حق استقراره في القلب فلا يزلزله شيء عن مقره . يقال : قر الماء في الحوض إذا استقر وهناك يحصل له السكون والاستقرار ويزول التردد والأوهام والظنون وهذا السكون والاستقرار إن أضيف إلى النفس والعقل يقال له : علم اليقين وإن أضيف إلى الروح الروحاني يقال له عين اليقين وإن أضيف إلى القلب الحقيقي يقال له حق اليقين وإن أضيف إلى السر الوجودي يقال له حقيقة حق اليقين انتهى . وقال في الباب الثامن والثلاثين : لما أغلق اللّه تعالى باب الرسالة بعد رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، كان ذلك من أشد ما تجرعت